جلال الدين السيوطي

403

تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب

ودع عنك ذكر تهدّيه ودرايته ، ولا يسأل عن حفظه وروايته ، إن احتدم للدراية خلف أهلها في سفوح الجبال ، واستخلص لنفسه مرائض الأوعال ، وإن خاض في الرواية خاض في تيار حمضاره ، وغادر الرواة في الأوشال ، ولولا روايته لما تهيأ للثعالبيّ تأليف يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر ، إذ هو مسجون يتامى رواياته محلّى بقرط مشنف مكحّل بحكاياته ، ألا ترى إلى هجاء البديع الهمذاني إياه حين رام من هجائه إياه أقصاه وأتمّمه وأوفاه بعد ما طوي في ثراه : مات أبو بكر وكان امرأ * أدهم في آدابه الغرّ ولم يكن حرا ولكنه * كان أمير المنطق الحرّ كيف سلّم له إمارة المنطق الحرّ وقت غضّه من قدره ؟ وكيف اعترف له بالآداب الغرّ زمان إزرائه لخطره ؟ ولو وجد مساغا إلى إخمال ذكره أو علم حيلة في دفن نظمه ونثره ، أو عرف سبيلا إلى إنكار سبقه في حلبة البلغاء ، أو رأى مجالا في محو اسمه عن ديوان الفضلاء ، لبذل في ذلك دهره وزنده ، ولجاد على ذلك بطارفه وتالده ، ولكن لم يتهيأ له بالراح إخفاء ضياء الصباح إذ جاء به فالق الإصباح ، وخالق مثل الخوارزميّ في الأشباح ، ثم لما تجلّت خوارزم فخرها ، وخلّت حبرها وبحرها ، أخلصت له حجرها ، وبوأته صدرها ، وولت أبا بكر طهرها ، نعم حال الخوارزمي في فنّه الفاذّ إلى جنب فنون العلامة حويلة ، وبحره انقباض بالبسط إلى جدوله وجبله ، هذا بون ما بينهما في علم الأدب وحفظ لغات العرب وراء ذلك لفخر خوارزم في علم النحو ، وعلم المعاني والبيان ، وحلّ مشكلات القرآن خصائص لا تحصى ، وخواصّ لا تعدّ ولا تستقصى ، لم يحطب الخوارزميّ قطّ في حبالها ، ولم يتزيّن شيئا من نبالها ، ولم يستظلّ ولو ساعة بظلالها . وعندي أنّ نظم الخوارزميّ إلى قياس نظمه الحجازيّ كالخزف إلى العقيان ، وأنّ جنب نثره كاللهجين إلى جنب الهجان ، وأنّى يدرك سناه ومن دعا جوامح القصائد ،